من Audrey إلى Eleven v4: كيف نضج الوكلاء الصوتيون
أصبح الوكلاء الصوتيون اليوم يردّون على الهاتف ويحجزون المواعيد ويتحدثون أكثر من 90 لغة بزمن استجابة يقارب 100 مللي ثانية. إليك كيف وصلنا إلى هنا، من أجهزة التعرّف على الأرقام في خمسينيات القرن الماضي إلى Eleven v4 من ElevenLabs.
يستطيع الوكيل الصوتي اليوم أن يستقبل مكالمة عميل، ويفهم لكنة لم يسمعها من قبل، ويتحقق من نظام الحجوزات، ثم يجيب بصوت طبيعي قبل أن يلاحظ المتصل أي توقف. ويمكنه أن ينتقل من الإنجليزية إلى العربية في منتصف الجملة. قد يبدو ذلك كأنه ظهر بين ليلة وضحاها، لكنه ثمرة سبعين عاماً من العمل على مشكلتين منفصلتين: أن تفهم الآلات الكلام، وأن ترد عليه بالكلام.
يستعرض هذا المقال المحطات التي تهم كل من يبني منتجات صوتية اليوم، ويختتم بالنموذج الذي أطلقته ElevenLabs في 28 سبتمبر 2026.
من الخمسينيات إلى التسعينيات: آلات لا تتعرّف إلا على كلمات معدودة
في عام 1952، بنت Bell Labs جهاز Audrey، وهو آلة قادرة على التعرّف على الأرقام المنطوقة من صفر إلى تسعة، ولكن من متحدث واحد فقط ضُبطت على صوته. وبعد عقد من الزمن، عرضت IBM جهاز Shoebox في معرض سياتل العالمي عام 1962. كان الجهاز يفهم 16 كلمة: الأرقام العشرة وبضعة أوامر حسابية.
وجاءت السبعينيات بالتمويل الحكومي ومفردات أوسع. فبحلول عام 1976، أصبح نظام Harpy من جامعة كارنيغي ميلون، الذي طُوّر ضمن برنامج أبحاث الكلام التابع لوكالة DARPA، قادراً على التعامل مع نحو 1,000 كلمة. وعلى مدار الثمانينيات، حلّت الأساليب الإحصائية القائمة على نماذج ماركوف المخفية (Hidden Markov Models) محل القواعد المكتوبة يدوياً، وأصبحت أساس التعرّف على الكلام طوال الثلاثين عاماً التالية.
وبحلول أواخر التسعينيات، وصلت التقنية إلى المستهلكين. فقد أتاح برنامج Dragon NaturallySpeaking (عام 1997) إملاء الكلام المتصل على الحاسوب المنزلي، ونشرت أنظمة الرد الصوتي التفاعلي قوائم “قل واحد أو اضغط 1” على كل خطوط خدمة العملاء تقريباً. كانت هذه الأنظمة تعمل، ولكن ضمن سيناريوهات ضيقة فقط، وأي شيء غير متوقع كان يعيد المتصل إلى القائمة الرئيسية.
من 2011 إلى 2016: مساعد ذكي في كل جيب
وصل Siri من Apple مع هاتف iPhone 4S في عام 2011، وتبعه Google Now، وCortana من Microsoft، وAlexa من Amazon على مكبر الصوت Echo في عام 2014، وGoogle Assistant في عام 2016. وتحسّن التعرّف على الكلام بشكل حاد مع حلول الشبكات العصبية العميقة محل النماذج الصوتية (Acoustic Models) الأقدم، وفجأة أصبح مئات الملايين من الناس يتحدثون إلى أجهزتهم كل يوم.
لكن هذه المساعدات ظلت في جوهرها أنظمة أوامر. فكان على كل طلب أن يطابق نيّة (Intent) محددة مسبقاً، مثل ضبط مؤقت أو تشغيل أغنية أو معرفة حالة الطقس. وأي طلب خارج القائمة كان يُقابَل باعتذار مهذب. كانت تجيد التعرّف على الكلام، لكنها لم تكن قادرة فعلاً على إجراء محادثة.
من 2016 إلى 2022: أصوات عصبية وتفريغ نصي يقترب من الدقة البشرية
ثم جاء التغيير في جانب النطق. فقد ولّد WaveNet من DeepMind (عام 2016) الصوت عيّنةً تلو الأخرى باستخدام شبكة عصبية، وأنتج Tacotron 2 من Google (عام 2017) كلاماً وجد المستمعون صعوبة في تمييزه عن التسجيل البشري. وفي عام 2018، أظهر العرض التوضيحي لـ Google Duplex ذكاءً اصطناعياً يتصل بصالون تصفيف شعر لحجز موعد، بما في ذلك همهمات “أمم” والتوقفات الطبيعية.
أما على جانب الاستماع، فقد أطلقت OpenAI نموذج Whisper في سبتمبر 2022: نموذج مفتوح المصدر دُرّب على 680,000 ساعة من الصوت، ويفرّغ عشرات اللغات نصياً بموثوقية، حتى في التسجيلات المليئة بالضوضاء. لم يعد التفريغ النصي الدقيق متعدد اللغات ميزة تنافسية، بل أصبح شيئاً يستطيع أي مطور تنزيله.
من 2023 إلى 2024: البنية المتسلسلة للنماذج اللغوية وأول وكلاء صوتيين فعليين
بعد شهرين من Whisper، ظهر ChatGPT، وسرعان ما بنى المطورون البنية التي شغّلت الجيل الأول من الوكلاء الصوتيين الفعليين: بنية متسلسلة (Cascade) تبدأ بتحويل الكلام إلى نص، ثم نموذج لغوي كبير، ثم تحويل النص إلى كلام. وللمرة الأولى، أصبح “العقل” في المنتصف قادراً على التعامل مع الأسئلة المفتوحة بدلاً من قائمة ثابتة من النوايا.
وأصبحت ElevenLabs طبقة الصوت الافتراضية لكثير من هذه الأنظمة، بفضل تقنية تحويل النص إلى كلام المعبّرة ومتعددة اللغات وميزة استنساخ الصوت، بينما سهّلت منصات مثل Vapi وRetell وLiveKit Agents وPipecat ربط البنى المتسلسلة بخطوط الهاتف. لكن نقطة الضعف كانت زمن الاستجابة (Latency): فتشغيل ثلاثة نماذج على التوالي كان يعني غالباً ثانية أو أكثر من الصمت قبل كل رد، وهو ما يلاحظه المتصلون على الفور.
وفي مايو 2024، عرضت OpenAI نموذج GPT-4o وهو يتحدث ويستمع بشكل أصلي، ثم أتاحت في أكتوبر 2024 واجهة Realtime API لنماذج تحويل الكلام إلى كلام (Speech-to-Speech) التي تتخطى مرحلة النص تماماً. ومن هنا بدأ الجدل الذي لا يزال يشكّل بنية الأنظمة الصوتية حتى اليوم: بنية متسلسلة يمكنك فحص كل خطوة فيها وتخصيصها، أم نموذج أصلي واحد يستجيب أسرع ويبدو صوته أكثر طبيعية.
من 2025 إلى 2026: أصوات قادرة على الاستدلال والسباق نحو 100 مللي ثانية
حوّل العامان الأخيران الوكلاء الصوتيين من عروض تجريبية إلى أنظمة إنتاجية. فقد أتاحت OpenAI نموذجها الفوري للاستخدام العام في عام 2025، ثم أطلقت GPT-Realtime-2 في مايو 2026، حاملاً إلى الوكلاء الصوتيين قدرات استدلال بمستوى GPT-5، ونافذة سياق تبلغ 128,000 رمز (Token)، وجهد استدلال قابلاً للضبط. وردّت Google في 15 سبتمبر 2026 بإطلاق Gemini 3.8 Live، وهي نماذج أصلية لتحويل الكلام إلى كلام تكتشف 97 لغة وتنتقل بينها في منتصف المحادثة.
وفي الوقت نفسه، واصلت تقنيات تحويل النص إلى كلام التطور لتصبح أسرع وأكثر تعبيراً، وهذا مهم لأن كثيراً من الوكلاء في بيئات الإنتاج لا يزالون يعتمدون على البنية المتسلسلة من أجل التحكم والامتثال واستخدام الأدوات. وباتت المنافسة تُقاس اليوم بعدد المللي ثانية حتى يصدر أول صوت، وبمدى قدرة الصوت على التعامل مع المقاطعات، وبما إذا كان لا يزال يبدو كالشخص نفسه بعد عشرين دقيقة من بدء المكالمة.
Eleven v4: أحدث خطوة، صدر في 28 سبتمبر 2026
في 28 سبتمبر 2026، أطلقت ElevenLabs نموذجي Eleven v4 وEleven v4 Turbo. يعتمد Eleven v4 على بنية جديدة تستنتج النبرة والإيقاع والعاطفة والسياق من النص، فيمكن أن تخرج العبارة بنبرة ملحّة أو حانية أو حوارية، مع احتفاظ الصوت بهويته على امتداد المقاطع الطويلة. ووفقاً لموقع TechCrunch، يدعم النموذج أكثر من 90 لغة بعد أن كان v3 يدعم 70 لغة، ويتيح لك الجمع بين عدة وسوم تعبيرية (Expression Tags) يلتزم بها بالترتيب، ويمكنه استنساخ صوت من تسجيل مدته 10 ثوانٍ.
أما Eleven v4 Turbo فهو الإصدار المصمم للوكلاء الصوتيين. وتشير ElevenLabs إلى أن القيمة الوسيطة لزمن الاستدلال تبلغ نحو 100 مللي ثانية، وأن أول كلام يصدر بعد نحو 150 مللي ثانية، كما أنه يدعم البث المتدفق في الاتجاهين، فيبدأ تشغيل الصوت بينما لا يزال النموذج اللغوي الذي يقف خلفه يكتب الجملة. وتبرز ملاحظات الإصدار أيضاً تحسّن التعامل مع أصعب لحظات المكالمات الحقيقية: المواجهات، وحالات التصعيد، ووضع المتصل قيد الانتظار. والنموذجان متاحان في ElevenAgents وElevenCreative وعبر واجهة API، بما في ذلك الباقة المجانية، وتفيد التغطيات الأولى بأن Eleven v4 احتل المركز الأول في تصنيف Artificial Analysis، مع تفضيل نحو 75% من المستمعين له في المقارنات العمياء.
بالنسبة لفرق التطوير، فإن الأثر العملي هو أن زمن الحلقة الأبطأ في البنية المتسلسلة تقلّص للتو بشكل كبير. فمع بدء إخراج الكلام خلال نحو 150 مللي ثانية، باتت البنية المتسلسلة المصممة جيداً قادرة على تقديم تجربة قريبة من نموذج أصلي لتحويل الكلام إلى كلام، مع الإبقاء على كل خطوة قابلة للمراقبة والاستبدال.
ماذا يعني ذلك إن كنت تبني وكيلاً صوتياً
بعد سبعين عاماً من Audrey، انتقلت المشكلات الصعبة إلى مكان آخر. فالتعرّف على الكلام وتوليد صوت طبيعي أصبحا مسألتين محلولتين إلى حد كبير. أما العمل الذي يحدد اليوم نجاح الوكيل الصوتي من عدمه فهو:
- ميزانية زمن الاستجابة على امتداد الدورة كاملة، بما في ذلك أدواتك وقواعد بياناتك، وليس النموذج وحده.
- اختيار البنية المناسبة لكل حالة استخدام: بنية متسلسلة عندما تحتاج إلى التحكم وسجلات التدقيق والنماذج المخصصة؛ ونموذج أصلي لتحويل الكلام إلى كلام عندما يكون الطابع الحواري الطبيعي هو الأهم.
- تغطية اللغات واللهجات التي يتحدث بها المتصلون لديك فعلاً. وفي الإمارات ودول الخليج عموماً، يعني ذلك التحدث بالعربية والإنجليزية معاً في المحادثة الواحدة.
- الضوابط الوقائية (Guardrails) وآلية التحويل، ليعرف الوكيل متى يصعّد المحادثة إلى موظف بشري.
في BrilliMinds، نبني منتجات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لشركات في الإمارات وخارجها، بما في ذلك ميزات حوارية يجب أن تعمل بالعربية والإنجليزية معاً. إذا كنت تخطط لبناء وكيل صوتي، تواصل معنا لمناقشة البنية قبل أن تختار النموذج.